محمد جمال الدين القاسمي
109
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 56 ] إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ أي فلا تصلون إليّ بسوء ، لتوكلي على اللّه ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي مالك لها ، قادر عليها ، يصرفها كيف شاء . قال القاشاني : بيّن وجوب التوكل على اللّه ، وكونه حصنا حصينا ، أولا بأن ربوبيته شاملة لكل أحد ، ومن يربّ يدبر أمر المربوب ويحفظه ، فلا حاجة له إلى كلاءة غيره وحفظه . ثم بأن كل ذي نفس تحت قهره وسلطانه ، أسير في يد تصرفه ومملكته وقدرته عاجز عن الفعل والقوة والتأثير في غيره ، لا حراك به بنفسه كالميت فلا حاجة إلى الاحتراز منه - انتهى - . والناصية : منبت الشعر من مقدم الرأس ، وتطلق على الشعر النابت فيها أيضا ، تسمية للحالّ باسم المحل : يقال : نصوت الرجل : أخذت بناصيته . وفي العناية : وقولهم : ناصيته بيده ، أي منقاد له . والأخذ بالناصية عبارة عن القدرة والتسلط ، مجازا أو كناية . وقوله تعالى : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تعليل لما يدل عليه التوكل ، من عدم قدرتهم على إضراره . أي هو على طريق الحق والعدل في ملكه ، فلا يسلطكم عليّ ، إذ لا يضيع عنده معتصم به ، ولا يفوته ظلم . قال في ( العناية ) : هو تمثيل واستعارة ، لأنه مطلع على أمور العباد ، مجاز لهم بالثواب والعقاب ، كاف لمن اعتصم ، كمن وقف على الجادّة فحفظها ، ودفع ضرر السابلة بها . وهو كقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] ، والاقتصار على إضافة الرب إلى نفسه ، إما بطريق الاكتفاء لظهور المراد ، وإما للإشارة إلى أن اللطف والإعانة مخصوصة به ، دونهم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 57 ] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا أي تتولوا ، بحذف إحدى التاءين فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ